المقريزي
46
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وتقرأ على المنابر ، ويحمل أصحاب المعاون الرعية عليه ، وتأخذها بامتثال ما أمر به أمير المؤمنين ، وسنة الحكام في ديوان حكمهم لتمثيل الضمان والمقاطعين ذلك على حسبه ، واستطلع رأي أمير المؤمنين في ذلك ، فرأى أمير المؤمنين في ذلك موفق إن شاء اللّه تعالى ، وتكتب نسخة التوقيع بتنفيذ ذلك إن شاء اللّه تعالى ، وكتب في شهر ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين . قال : وكان السبب في نقل الخراج إلى حزيران في أيام المعتضد ما حدّثني به أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى المنجم القديم قال : كنت أحدّث أمير المؤمنين المعتضد ، فذكرت خبر المتوكل في تأخير النوروز ، فاستحسنه ، وقال لي : كيف كان ذلك ؟ قلت : حدّثني أبي قال : دخل المتوكل قبل تأخير النوروز بعض بساتينه الخاصة التي كانت في يدي وهو متوكئ عليّ يحادثني ، وينظر إلى ما أحدث في ذلك البستان ، فمرّ بزرع فرآه أخضر ، فقال : يا عليّ ، إنّ الزرع اخضرّ بعد ما أدرك ، وقد استأمرني عبيد اللّه بن يحيى في استفتاح الخراج ، فكيف كانت الفرس تستفتح الخراج في النوروز والزرع لم يدرك بعد ؟ قال : فقلت له : ليس يجري الأمر اليوم على ما كان يجري عليه في أيام الفرس ، ولا النوروز في هذه الأيام في وقته الذي كان في أيامها ، قال : وكيف ذاك ؟ فقلت : لأنها كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا . وكان النوروز إذا تقدّم شهرا ، وصار في خمس من حزيران كبست ذلك الشهر ، فصار في خمس من أيار ، وأسقطت شهرا ، وردته إلى خمس من حزيران ، فكان لا يتجاوز هذا ، فلما تقلّد العراق خالد بن عبد اللّه القسري ، وحضر الوقت الذي تكبس فيه الفرس منعها من ذلك ، وقال : هذا من النسيء الذي نهى اللّه عنه ، فقال : إنما النسيء زيادة في الكفر وأنا لا أطلقه حتى أستأمر فيه أمير المؤمنين ، فبذلوا على ذلك مالا جليلا ، فامتنع عليهم من قبوله . وكتب إلى هشام بن عبد الملك يعرّفه ذلك ، ويستأمره ، ويعلمه أنه من النسيء الذي نهى اللّه عنه ، فأمر بمنعهم من ذلك ، فلما امتنعوا من الكبس تقدّم النوروز تقدّما شديدا حتى صار يقع في نيسان والزرع أخضر ، فقال له المتوكل : فاعمل لهذا يا عليّ عملا تردّ النوروز فيه إلى وقته الذي كان يقع فيه أيام الفرس ، وعرّف بذلك عبيد اللّه بن يحيى ، وأدّ إليه رسالة مني في أن يجعل استفتاح الخراج فيه ، قال : فصرت إلى أبي الحسن عبيد اللّه بن يحيى ، وعرّفته ما جرى بيني وبين المتوكل ، وأدّيت إليه رسالته ، فقال لي : يا أبا الحسن قد واللّه فرّجت عني ، وعن الناس ، وعملت عملا كثيرا يعظم ثوابك عليه ، وكسبت لأمير المؤمنين أجرا وشكرا ، فأحسن اللّه جزاءك ، فمثلك من يجالس الخلفاء ، وأحب أن يتقدّم بالعمل الذي أمر به المتوكل ، وينفذه إليّ حتى أجري الأمر عليه ، وأتقدّم في كتب الكتب ، باستفتاح الخراج ، قال : فرجعت ، وحرّرت الحساب ، فوجدت النوروز لم يكن يتقدّم في